الحلبي
223
السيرة الحلبية ( إنسان العيون في سيرة الأمين المأمون )
ثم أمرهما ينضحان في جيوبهما ففعلنا فرجعتا من عند النبي صلى اللّه عليه وسلم وما بالمدينة امرأتان أقر عينا منهما ولا أسر » . وقد كان حارثة سأل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن يدعو له بالشهادة ، فقد جاء أنه صلى اللّه عليه وسلم قال لحارثة يوما وقد استقبله « كيف أصبحت يا حارثة ؟ قال : أصبحت مؤمنا باللّه حقا ، قال : انظر ما تقول ، فإن لكل قول حقيقة ، قال : يا رسول اللّه عزلت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي واظمأت نهاري ، فكأني بعرش ربي بارزا ، وكأني انظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها ، وكأني أنظر إلى أهل النار يتعاوون فيها ، قال : أبصرت فالزم عبد : أي أنت عبد بذر اللّه الإيمان في قلبه قال : فقلت ادع اللّه لي بالشهادة فدعا له رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم بذلك ، وقال أبو جهل وأصحابه حين قتل عتبة وشيبة والوليد تصبرا ، لنا العزى ولا عزى لكم ، ونادى منادي رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : اللّه مولانا ولا مولى لكم ، قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار » . أقول : سيأتي وقوع مثل ما قال أبو جهل وأصحابه من أبي سفيان وأنه أجيب بمثل هذا الجواب في يوم أحد ، واللّه أعلم . « وصار رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يناشد ربه ما وعده من النصر » أي وهذا العريش هو المراد بالقبة في قول البخاري . عن ابن عباس رضي اللّه تعالى عنهما « أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال وهو في قبة يوم بدر : اللهم أنشدك عهدك » الحديث ويقول « اللهم إن تهلك هذه العصابة اليوم فلا تعبد » أي وفي مسلم « أنه صلى اللّه عليه وسلم قال : اللهم : إنك إن تشأ لا تعبد في الأرض » قال ذلك في هذا اليوم وفي يوم أحد . قال العلماء : فيه التسليم لقدر اللّه تعالى ، والردّ على غلاة القدرية الذين يزعمون أن الشر غير مراد للّه ولا مقدور له . وذكر الإمام النووي أن كونه قال ما ذكر يوم بدر هو المشهور . وفي كتب التفسير والمغازي أنه يوم أحد ، ولا معارضة بينهما ، فقاله في اليومين هذا كلامه . أي يجوز أن يكون قال ذلك في يوم بدر وفي يوم أحد . وفي رواية : « اللهم إن ظهروا على هذه العصابة ظهر الشرك ولا يقوم لك دين أي لأنه صلى اللّه عليه وسلم علم أنه آخر النبيين ، فإذا هلك هو ومن معه لا يبقى من يتعبد بهذه الشريعة » . وفي لفظ آخر « اللهم لا تودّع مني ولا تخذلني ، أنشدك ما وعدتني » لأنه كان وعده النصر وفي رواية « ما زال يدعو ربه مادّا يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه عن منكبه ، فأخذ أبو بكر رداءه وألقاه على منكبه ، ثم التزمه من ورائه وقال : يا نبي اللّه كفاك تناشد ربك فإنه سينجز لك ما وعدك » أي وفي رواية « واللّه لينصرنك اللّه ، وليبيضن وجهك » أي وفي لفظ « قد ألححت على ربك » وكون وعد اللّه لا يتخلف لا ينافي الإلحاح في الدعاء